جديدنا

مجلة فن | " أيمن رضا " نخلُ العراق.....متجذّرٌ في دمشق





كتبت ندى حبيب : 
يقول الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري في قصيدته الشهيرة "دمشقُ ياجبهةَ المجد" :

"شممتُ تُربَكِ لا زُلْفَى ولا ملَقَا
 وسِرتُ قصدَكِ لا خِبّاً، ولامَدِقَا
 وما وجدتُ إلى لقياكِ مُنعطَفا
 إلّا إليكِ،ولا ألفيتُ مُفترَقا
 قالوا دمشقُ وبغدادُ فقلتُ هما فجرٌ
على الغدِ من أمسَيهِما انبثقَا"

من هذا التعاضد الأخويّ بين عاصمَتي التاريخ أطلّ علينا المبدع المتألّق" أيمن رضا" ليُزرع في أرضِ دمشقَ مُزهراً معه الفرح أينما حل،امتدت مسيرتُه الفنية مايناهز الأربعةَ عقودٍ ، حيث تخرج من
 " المعهد العالي للفنون المسرحية" ليبدأ مشوارَه الحافلَ في قسم" دوبلاج الأطفال " فصوتُه مازال محفوراً في ذاكرتِنا من خلال العديد من الاعمال، ابرزها " ميغالو" في المسلسل الكرتوني" مغامرات سوسان"، ليبدأ التنقلَ بين حدائقِ الفنون على مختلفِ مستوياتها، وعلى عكسِ ظهوره القليلِ مسرحياً وسينمائياً،فقد لمعَ نجمُهُ في الأعمالِ التلفزيونية التي قدّم فيها مايزيدُ عنِ المئةِ عمل، كانت مرآةً لحجمِ الموهبة الفريدةِ التي امتلكَها، و التي وظّفها في إعطاءِ أدوارِه سمةَ العفويةِ والإقناع،بعيداً عنِ التصنّعِ والتكلّف،فقد كانت إطلالتُه الأولى في مسلسل" نساء بلا أجنحة"، ليتركَ بعدها بصمةّ واضحةّ في انتقاءاتهِ المميزة  للكثير من الأدوار مثل" حليش" في" نهاية رجل شجاع" و " ناظم" في " حمّام القيشاني"، رسمَ لنا بريشةِ الفنّان الخبير أدقّ التفاصيل عن شخصية الموظّف الفاسدِ  بحديثِهِ وهيئتِه وادعاءاتِهِ العجيبة في خدمةِ هذا الفساد من خلال شخصية" سليم" مبتكر " طابع الإيدز" في مسلسل
 " يوميات مدير عام"، ليضع قدماً ثابتةً في سلسلة أعمال الكوميديا " عيلة 6 و7 و 8 نجوم" ومشاركاته في مسلسلات " جميل وهناء وأنت عمري وبطل من هذا الزمان" التي أظهرت خفةَ ظلّه وبراعةَ ارتجالِهِ في خدمةِ المشهد الفنّي، استطاع النجم " أيمن رضا" أن يؤثّر بالمُشاهدِ إلى الحدّ الذي جعلهُ يستشيطُ غضَبا وكُرها، ويمتلئ فرحاً بموتِ " كركر" تلك الشخصية التي جسدّها بأكثر الصور خيانةً وتبجّحاً في مسلسل " الخوالي"، تمكّن المتألّق " رضا " من جمع عبقرية الأداء والفكرة حيث كان شريكاً أساسياّ في صناعة مشروع المسلسل الكوميدي الشهير " بقعة ضوء" وقدّم من خلالهِ،عشرات اللوحات التي لامستِ الهمومَ اليوميّة للمواطن، بطريقة الكوميديا السوداء الساخرة، والتي جذبتِ الجمهور العربي بأسرِِهِ  لها وضمّت ألمعَ نجوم الدراما السورية والعربية،في مسلسله " مرزوق على جميع الجبهات" لم نشعر أبدا بأنّه يقومً بأداءٍ تمثيليٍّ بل كان يعبّر عن شخصيّتهِ تعبيراً لطيفاً جدا، حتى انصهرَا معاً، وكان قد نجحَ الرائع "أيمن رضا" في المزجِ الفريدِ بين الضّحكة والدّمعة بآنٍ واحد، فقد أضحكنا حدّ البكاء وأبكانا حدّ القهر، و أعطانا درساً في الوفاء والإخلاص، في الدمعِ المختبئ خلف لحظاتِ الفرح المسروقة من زمنٍ قاسٍ ، فكان" نذير" نموذجاً للحبّ الخالصِ بأبهى صورِه في مسلسل
" بكرا أحلى".

 أظهر لنا الفنان الجميل " أيمن رضا" البساطةَ من جسدٍ وروح،والالتزام بالفطرة الإنسانيّة السليمة على سجيّتها البيضاء دون أية شوائبَ تُذكر، حيثُ " صابر " ممثّلاً  لكلّ هذا في مسلسل" الإنتظار"، كما نقل لنا حالةَ الضياعِ والتشتّتِ بين الإنسانيّة وبين الإنتماءِ الفكريٍ او التعبيرِ عنه،بين حسّه العالي وإصرارِهِ على أن يكون ناصراً للطفولةِ  للمظلومةِ التي دفعتِ الثّمنَ الباهظَ من جرحِ الوطن، فحضر الإنسان الفنّان " صبحي"  الذي يمثّل التيّار اليساري الذي يعيش على أمجاد الماضي ، المعارض السلمي، في مسلسل
" عناية مشددة"، ليعودَ مجدّداً ويبهرَنا في إتقانِ اللّهجةِ الشاميّة العريقةِ، وسلوكِ أهلِها القدماء،بكل تفاصيلهم من خلال سلسلة أعمال بيئة شامية من أهمها " أهل الراية وخاتون بجزأيه"، في مسلسل" ضبّوا الشناتي" لعبَ دورَ " عادل" وأظهر انقسامَ البيتِ الواحد تجاه الأزمةِ السورية، من خلال حوارٍ جريءٍ وطرحٍ لامسَ الواقعَ تماماً، ممثلاً للتيّار المؤيّد المدافع عنه بكافة تفاصيلِهِ.


" كلّ عملٍ جماعي بحاجةٍ للحب" هي أبرزُ كلمات المحبِّ " أيمن رضا" المنتمي إلى أرض سوريا، الرّافضِ البعدَ عن دمشقَ في "مرضِها" ، الشاربِ  مياهَ بردى الخالدة ، المعربشِ على بياضِ ياسمينها، الحالمِ بجواز سفرٍ سوري، يستأهلُ نسرَهُ  أكثر من الغربانِ التي نعقت طويلاً فوق خَرابِ هذا الوطن...
" أيمن رضا" اسمُكَ منقوشٌ على قلوب كلّ السوريين رمزاً للأصالةِ والوفاءِ والتميّز والإبداع..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2016 مجلة فن | Faan Magazine | تصميم : عمر شهاب

صور المظاهر بواسطة Bim. يتم التشغيل بواسطة Blogger.