جديدنا

مجلة فن | " قلعةُ حلب....تفخرُ بليثِها"





مجلة فن - كتبت ندى حبيب : 
" نحن في حربٍ من أجلِ استرادِ بلدنا"

هكذا يختصرُ المخرج الأميركي الرائع
" مايكل مور" دور السينما والإخراج في كيفية تأثيرها بالحياة السياسية الأميركية،من خلال فيلمه الجديد
" فهرنهايت 9_11" والذي شبّه فيه الرئيس الأميركي"دونالد ترامب" بهتلر العصر.

لا شك أن قائد طاقم العمل الفني
" المخرج" يجعل من الفكرة الورقية،شخوصاً من لحمٍ ودم، تحاكي الواقع بكافة أشكاله،ومن هنا تأتي المسؤولية الكبرى عليه في إنجاح أو إفشال هذه الفكرة.

من حلب الشهباء مهد الحضارة الإنسانية وأعرقها أشرق علينا المخرج المبدع " الليث حجو" من بيئة مُشبعة بالفن تشرّبها من والده،الممثل الكبير الراحل
" عمر حجو" والذي كان أحد مؤسسي نقابة الفنانين في الجمهورية العربية السورية.

اتسمت مسيرته الفنية بالصبر الطويل والنضوج الفني الكبير،حيث بدأها مساعداً لأهم الأسماء الإخراجية والتي ساهمت في تألق الدراما السورية وانتشارها العربي على نطاق واسع،كان يلتقط أدق التفاصيل،ليخلق لنفسه عالماً خاصاً به،سعى من خلاله للغوص عميقاً في النفس البشرية محاولاً إخراج مكنوناتها الدفينة،وحين شعر باكتمال مشروعه الفني لعالمه المتفرد،قدم لنا أولى أعماله الإخراجية "بقعة ضوء" والذي شكل فيما بعد علامة فارقة في تاريخ الدراما الكوميدية السورية بحسها العميق، والذي ابتعد فيها عن البهرجة البصرية،ليعطي لبساطة الصورة ودلالتها الأثر الأكبر لدى المتلقي،الأمر الذي جعل من هذا العمل محافظاً على نفسه كأحد أهم الأطباق الفنية الخفيفة خلال سنوات طويلة.

تابع المتألق "حجو" مشروعه الفني المتجدد في قيادته لمسلسل
" ع المكشوف" والذي كان فيه أميناً على الفكرة،محققاً التوازن الفني المتكامل بين عناصره المختلفة،والذي جعله في خدمة مايود إيصاله بشكل عميق وذكي.

كما أظهر بعداً درامياً جديداً من نوع خاص،في مسلسل " أمل مافي" حيث قدم من خلاله النظريات السياسة والإقتصادية والاجتماعية،ضمن قالب الكوميديا السوداء الساخرة،بلغة هادئة،وحركة كاميرا موازية للحدث الدرامي المختبئ داخل النصوص البسيطة اللغة،
العميقة المضمون.

استطاع المخرج المميز في مسلسل
" أهل الغرام" أن يجعل من نفسه شاعراً يروي قصص العشاق بلغته الفنية الجميلة،والتي استطاع من خلالها ترجمة نظرات عيونهم...أحلامهم...فرح لقاءاتهم...آهات فراقهم...ليجعل من اسمه حارساً للحب في واقع مليء بالقهر.

لم يكنِ المبدع " الليث حجو" ذلك المتشبث بتقديم صورته الفنية من على برج المثقف العاجي،بل نزل بها إلى الشوارع الضيقة،والحارات الشعبية،مُصوراً بساطة أبطالها،وهمومهم اليومية،وتشابك علاقاتهم الوطيدة المبنية على الفطرة الإنسانية،طارحاً مشاكلهم وكفاحهم المستمر وسط تناقضات هذه البيئة في مسلسل
" الإنتظار"

تفرّد " الليث حجو" في نقل تأثير بيئة الصورة المقدمة على تكوين طبيعة أبطالها،فجعل منها عاملاً مهماً في صياغة طبائعهم،وعاداتهم وحياتهم اليومية،ففي المسلسل الشهير "ضيعة ضايعة" جرى توظيف المكان الساحر في خدمة أحداثه توظيفاً رشيقاً ساهم في زيادة جمالية المشهد الفني.

كما التقط بعينه الفاحصة أسلوب المعيشة الجميل لأبناء الجنوب السوري بكافة تفاصيله وسط بناء فكاهي خفيف في مسلسل" الخربة"

لقد طالتِ ارتدادات الحرب الكونية على سوريا كاميرا " الليث حجو" فقدم سلسلة من الأعمال المتلاحقة أظهر فيها ضبابية المشهد الواقعي، ففي مسلسل" سنعود بعد قليل" دخل في التأثير العميق  لهذه الحرب على أبنائها،مُظهراً تغيير خط حياتهم المرسوم بهدوء،وقذفهم نحو مستقبل مجهول معانين من شظف العيش ومرارة الغربة،حالمين بلم الشمل من جديد على أرض الوطن،أما في مسلسل" الندم" والذي اعتمد أسلوب " الفلاش باك" فقد جعل من الحدث السياسي "سقوط بغداد" منطلقاً له، مُستخدماً اللغة الفصحى في سرد أحداثه،محاولاً الجمع بين الواقعية والرومانسية،حيث درس تأثير الحرب على عائلة
"ابراهيم الغول" من خلال تصوير مصير كل فرد من أفرادها،ليعود مجددا إلى الأسلوب الكوميدي المحبب في معالجة آثار هذه الحرب من خلال انقسام المجتمع السوري على نفسه هذا الإنقسام الذي تسلل إلى جسد العائلة الواحدة في مسلسل
" ضبوا الشناتي" ، ثم عاد لينقل تعلقه في نقل عمق الإنسان الذي أصابه الكثير من التشوه في علاقاته الإنسانية نتيجة هذه الحرب،ما وصل بالمجتمع إلى حافة الخطر وجعل كل فرد من أفراده يسعى إلى " مسافة أمان" تفصله عن غيره.

لقد كانت العديد من اللوحات التي قدمها
" الليث حجو " أشبه بحكايات سينمائية قصيرة، مما أشبع شغفه الدخول في مجال السينما ليخرج الفيلم الرائع" الحبل السري" والذي صور فيه مخاض الحياة بأسرها في زمن الحرب الظالمة..

لقد عكس "الليث حجو" التراث الفني العريق لحلب مقدماً نموذجاً يُحتذى فيه بالاجتهاد والعمل والنجاح

ولاشك أن قلعةَ حلب...تفخرُ بليثِها

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2016 مجلة فن | Faan Magazine | تصميم : عمر شهاب

صور المظاهر بواسطة Bim. يتم التشغيل بواسطة Blogger.