جديدنا

خاص مجلة فن | "قاسم ملحو": الموهبة لا تُغنيك عن الأخلاق...علينا ضبط السوشال ميديا بقوانين صارمة لأن التسيُّب لا يضبطه سوى قانون..



 
خاص مجلة فن - لؤي م ديب :

عند باب المنزِل قال: "اسحب السِّلك، يُفتَح باب البناء" وأكمل برقم الشقة، دخلنا المنزِل..
ابتسامة عريضة تعلو المكان بأسرِه، دخلنا المنزل ومن حَولنا صور "لكاريكاتيرات" تصب جميع مجاريها في بحرٍ جامع اسمه "قاسم ملحو"..
مع الابتسامة المُرَطِّبة للأجواء بدأنا الحديث عن مُسلسلات رمضان الماضي، سنروي الحديث مع مراعاة السرد الصحفي، ليس بالخفي على أحد أن الملحو رقم صعب في الوسط الدرامي، وأنَّه مُقِلٌّ جِداً في ظهوره الإعلامي، المَلحو رجلٌ لا يُمكِن أن تراه قد كَرَّر شخصية أدَّاها مرّتين، وهو يرى أن: "الفنَّان الناجِح هو النَّاجح بمهنَتِه وليس الفنَّان النَّاجِح هو الناجح بالضجيج الإعلامي، ومن يسعى لامتهان الفن عليه أن يراعي الرفعة الأخلاقية في عمله وحياته، وبالتالي الفنَّان هو الذي يولي شخصيَّة يؤدِّيها جُل اهتمامه ويصنع قالبها بنفسِه فالكاميرا ليست أستاذ المدرسة الذي يختبر حفظ الطلَّاب، فهذا النَّص الذي بين يديك هو مجمعات تصورات ومنعطفات لشخصيَّة هناك مشابه لها في مكان ما لذلك عليك العمل على انفعالات هذه الشخصية بشكل يطبعها في ذهن المُتلَقِّي"، ومع القليل من الغوص في التفاصيل، ستجِد جانِب حسَّاس جِدَّاً في شخصيَّة الأستاذ "قاسم ملحو" ليس من الصعب عليك أبداً أن ترى ذلك الشخص الذي تلمع عيناه حين تتهافَت الذكريات إلى وعيه ليرويها لك
" في السنة الثالثة للمعهد العالي، جَرَت العادة أن يعمل الطلَّاب على مسرح شيكسبير وبالتحديد مشاهد الماسترات في مسرحيَّاته، أي أن يتم العمل على مشهد الماستر في مسرحيَّة ريتشارد الثالث، أو مشهد الماستر في مسرحية مَكبِث، أو المشهد الماستر من مسرحية هاملت، وذلك لأن مسرح شيكسبير يُغري طالب التمثيل في العمل المسرحي، وذلك لاستعراض إمكاناته الصوتية والجسدية والتعبير بطبقات صوتية عالية، وكنت أشعر وأنا أستمع إلى كل ذلك بأني أعيش وسط ضجيج كبير، فأنا عَمِلتُ على مشهد ماستر من مسرحية ريتشارد الثالث، والمشهد هو:
الليدي آن تبكي على قبر زوجها الذي قتله ريتشارد الثالث، بعد أن قتل لها أبوها وأخوها سابقاً، يدخُل ريتشارد الثالث في هذا المَشهد لإقناع الليدي آن التي تصب جام غضبها عليه بسبب ما فعله لها من قتل أبيها وأخيها وزوجها فتنعته بقبح شكله ووحشيَّته، ليتمكَّن نهاية من إقناعها بالذهاب معه إلى سرير الغرام..


وفي هذا التناقض يكمن التعقيد، كيف لقاتل دميم الخلقة، أن يُقنِع الليدي آن المفجوعة بأيها وأخيها وزوجها بالذهاب معه، مع العِلم بأن ريتشارد يتميَّز بذكاء خطير، وقوة تأثير عالية، وعند تأملي الشخصيَّة اكتشفت أنه عليَّ أن أكون مُقنِع جِداً حتى أتمكَّن من الوصول إلى الناس، وهُنَا بدأت بتركيب عناصِري الخاصة، فأتيت بفكرة وهي فتح الستارة "الجلالة" مع قفزَة عالية في الهواء من طرف الخشبة لأهبط على ساق واحِدة في مُنتَصف الخشبة والبدء بالحديث بصوت هادئ أجشّ، فاعتمدتُ لفت النَّظر بالحركة والإقناع بالعَقل والدَّهاء الذي يمتاز به سيلفر.. إضافة لأني أسقطت بعض عناصِر شخصية "سيلفر" قرصان جزيرة الكنز لكن بأسلوبي الخاص، فأتيت بعكَّاز أحمَر مُرَصَّع بمسامير ذهبية ليبدو على هيئة العكاز الملكي، لكن تِلك الأفكار لاقَت السُّخرية من زُملائي لاستحالة تطبيقها على أرض الواقع من وجهة نظرهم، لكِن تِلك الاستحالة هي ما ولَّد لدِي رغبة شديدة في التدريب على أداء الفِكرة، وبالضبط عندما أنهينا العرض ونَجَحت في تنفيذ فِكرَتي، تحوَّلَت السُخرية إلى تصفيق وإعجاب  بأنك أنت القادر على تطوير أدواتك وأنت القادر على قتلها لن ينافِسك أحد على ذلك، وفي الفن بالمُجمَل كُلَّما امتلَكتَ أدوات أكثر، كلَّما تميَّزت أكثر، طبعاً ذلك يتوقَّف أيضاً على قدرتك بتوظيف تلك الأدوات في مكانها الصحيح"
في جلسة يحوي مسرحها آلات موسيقية وقطع نفيسة، وحوار هادئ يُمكِنُك أن تقيس دفء المشهَد، بعيداً عن ضجيج سوق البيع والشِّراء الذي يسيطِر على كُلِّ شيءٍ في الخارِج، لكن اليوم علَيك أن تَمتلِك شخصيَّتك الخاصة للتعامل مع التُّجار الذين لا يوَفِّرون شيء تحت شعار "مافي شي محرَّم عالبيع" وكان للمَلحو تلك الشخصية:
" اليَوم يا صديقي لم تَعُد قادِراً على أخذ الإنصاف المادي ولا المعنوي دون أن تُحارِب من أجله، فكُل المفاهيم باتت فضفاضة، هذا الازدحام المُرعِب في الخارِج يجعل منك كشخص مُسالِم ضحيَّة في أي وقت، ومن الأمثلة على ذلك، أني فيما مضى كُنتُ أدعى لحضور مسرحيات لأصدقاء، أو طلَّاب في المعهد، لكن عندما كُنتُ أقول رأيي علناً الذي غالباً كان يحوي القليل من الانتقادات، كُنتُ أُهاجَم وألاقي عدم قبول لهذا الرأي من القائمين على العمل، وكأنَّهم يؤدُّون أعمالهُم هذه لحصد الثناء والتصفيق فقط، مِن هنا صِرت أحضر هذه الأعمال دون أن أنطِق بِكَلِمة، أُنهي العمل وأعود مع رأيي إلى المَنزِل، لكن الأستاذ "فايز قزق" دائماً يتَّصِل ويسألني عن رأيي فهو يعلَم أنِّي مُنصِف لأقصى درجة أستطيعها في نَقدي لهذه الأعمال.."
ومن هنا فُتِح على جلستنا باب أدخَل رياح عاصِفة، لن نتمَكَّن وحدنا من إغلاقه، رياح منصات التواصل الاجتماعي التي اجتاحتنا وقلبت حياتنا رأساً على عقب، باتت تحتاج تدخُّل جذري لضبطها:
"النَّقد الفنِّي أو الثقافي بات عمل الشارع اليوم، قد ترى طفل بين العاشِرة والسادسة عشر من عمره، يخلع طربوش فُلان ويضعه على رأس فلان ويُحدِث ضجة أكبر من سِنّه حتى، هذه الفوضى تجاوزَت صلاحيَّات الأهل أو المدرسة مع الأسف، بل تحوَّلَت لى ثقافة شارِع، والغريب أنَّك إن دخَلت إلى حساب أحَد الأشخاص الذي شَتَم فُلان عبر تعليق، أو أطلَق شائعة حول فلان، وسألته بشكل مباشر "ع الخاص" سيعتَذِر منك ويتراجَع عن فعلته، هذا يدُل على أن التسيُّب هو السبب الرئيس لهذه الفوضى، فغياب المحاسبة يزيد نسبة الخطأ، نحنا لسنا مع مصادرة الرأي ونؤمن بأن الفكر المُقيَّد لا يُبدِع لكن في المقلب الآخر لديك منصات تواصل منذ عام 2012، ماهي الفائدة التي أنتجتها مقارنة بالضرر المُستَمر الذي ينتج عنها، حين تكون نسبة الإبداع ثلاثين في المئة عبر أداة ما مقابل سبعين في المئة ضرر، عليك إما أن تضبط مستخدمي الأداة بقوانين "صارِمة" تُنظِّم استخدامها أو أن تجعل الضبط في لُب تلك الأداة، لكن أن نسخر من بعضنا بتلك الأقوال التي ترفع مستوى الشارِع الفكري والأخلاقي، عبر حملات التنمية الاجتماعية و.و.و..إلخ، هذا ليس إلَّا حبوب مُخدِّرة فالمشكلة ليست بالمستخدمين فقط، وعلى سبيل المثال: المواطن الذي يدخُل إلى مؤسسات الدولة يصرخ ويشتم ويتسبب بالفوضى وهو ينتظر دوره، هو نفسه يدخل إلى شركات القطاع الخاص المُرتَّبة والفخمة المضبوطة ويجلس بصمت وهدوء ورُقي، مالسبب يا ترى؟
السبب هو شعوره بالرهبة من المكان أو هيمنة المكان عليه، إن أسقطت نفس التجربة على منصات التواصُل ربما تجِد الحَل، نحن لسنا أصحاب قرار لكننا أبناء البَلَد، التي هي موطِن نشأة أطفالنا وحِرصنا عليها يصب في حرصنا على أطفالنا وعلى نشأتهم"..
وبما أن لكل شيء نهاية علينا أن نُنهي هذا المقال، دون ننهي النِّقاش مع الأستاذ قاسِم، لكن لا شَك أنَّنا نتشكَّره جزيل الشُّكر على خصِّ مجلَّتنا بهذه الإطلالة اللطيفة ونتمنَّى له ولأسرته دوام الصحة والاستقرار..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2016 مجلة فن | Faan Magazine | تصميم : عمر شهاب

صور المظاهر بواسطة Bim. يتم التشغيل بواسطة Blogger.