جديدنا

مجلة فن | لمقامات العشق حُسنها...


  

مجلة فن . علي عمار :

 "لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي..
إذا لم يكن ديني إلى دينه داني..
لقد صار قلبي قابلاً كل صورة..
فمرعى لغزلان و دير لرهبان..
و بيت لأوثان و كعبة طائف..
و ألواح توراة و مصحف قرآن..
أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه..
فالحب ديني و إيماني...."

لطالما حظيت الصوفية بإقبال جماهيري، لما تبعثه من طمأنينة وسكون في النفس البشرية. كونها تخاطب العقل والقلب والروح في أن معاً، وتنادي للسلام الإنساني والمحبة بين البشر.
 وما أحوجنا لها اليوم في عالمنا العربي، لترميم مخلفات الربيع العربي وما نثره حولنا من شظايا الفتنة والكراهية. التي أخلفتها لنا داعش وتوابعها. لذلك نلاحظ أن الناس باتوا يبحثون عن الفلسفة الوسطية في جل أمور الحياة.  ومن مثل الصوفية لتساعدك على فهم ذاتك والأخر بطريقة صحيحة، والنظر إلى الجوهر الروحي للأديان وللإنسان قبل أي شيء.


وفي زحمة الأعمال الدرامية التي بات موسمها ملازماً لشهر رمضان شهر العبادة والصوم، من الجميل أن تختار مسلسلاً عربياً يشبه هذا الشهر بروحانياته.

"مقامات العشق"  هو مسلسل تاريخي (للمؤلف محمد البطوش والمخرج أحمد إبراهيم أحمد)، يتناول سيرة فكر أحد أشهر أعلام الصوفية "محي الدين بن عربي"  سلطان العارفين ويؤدي دوره الممثل "لجين اسماعيل" في مرحلة الشباب.
العمل غني بالفكر الروحي للإسلام المعتدل، يجعلك تقف وتفكر لبضع دقائق مع كل مشهد، لحواراته الغنية والطريقة المميزة في سرد الحدوتة.
رحلة طويلة من الإيمان الصوفي والعشق الإلهي تبدأ مع الشيخ  علي بن عربي (يوسف الخال) وتكتمل الرواية مع ابنه محي الدين(لجين اسماعيل).

في صدارة الأدوار النسائية نشاهد الممثلة "نسرين طافش" في شخصية ست الحسن، هذا الدور الذي أعادها إلى الدراما التاريخية في سورية، وإلى نجاحاتها الأولى فيها في مسلسل ربيع قرطبة 2003 (وليد سيف/حاتم علي)، كما يعيدها إلى مكانها المعهود من النجومية في الدراما السورية.

 
ست الحسن هي الراوية لأحداث الحكاية وشاهدة على عصر علي بن عربي والمرافقة لرحلة ولده محي الدين في الفيض والكشف الإلهي...

ربما كانت مدركة أن هذا العمل سيكون نقطة تحول تسجل في مسيرتها الفنية، فأعدت له جيداً  بطاقة مضاعفة وهيأت كل أدواتها الإبداعية لرسم أفعال وأبعاد الشخصية الباطني والخارجي، وهندستها لإخراجها بصورة صحيحة.  كون طبيعة الأعمال التاريخية وظروفها صعبة في مراحل التصوير، عدا عن الفصاحة والبلاغة التي تتطلبها هذه الأدوار، والتي أجادتها طافش بسلاسة المحترفين، كيف لا وهي خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق.

 إلمامها بتعاليم الدين الصوفي وشغفها لروحانياته ووجدانياته، منحها القوة والثقة لتدخل بالدور وتتشربه بكل جزيئات تفاصيله، فجاء أدائها  متقن بطعم السحر.
كما جاءت مشاهدها الخالية من تلك الحوارات التي تصعد بك لدرجة عالية من الصفاء والحكمة، موزونة ومعبرة بنظرات عيونها، تحلق بك في مديات بعيدة، مترجمة مايجول في أعماق روحها شفافية لايدركها سوى العاشق.

في العادة يشعر المشاهد ببعض الملل مع المسلسلات التاريخية،  ولكن لمقامات العشق سحرٌ خاص في حواراته الغنية التي تطرق باب القلب والروح، أضفاه عليها الأشعار الصوفية وحالة الزهد الكلي في الدنيا، للوصول إلى أسمى أشكال العشق الإلهي والتجلي المطلق في الخالق.

تمنكت  "نسرين طافش" من خلق لغة خاصة بها كفنانة في هذا الدور، مكنها أكثر في فرض موهبتها بعيداً عن جمالها  الحاضر دائماً.
 ومازال في جعبة ست الحسن الكثير لتمتعنا به وخاصةً في المراحل العمرية القادمة للشخصية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2016 مجلة فن | Faan Magazine | تصميم : عمر شهاب

صور المظاهر بواسطة Bim. يتم التشغيل بواسطة Blogger.