جديدنا

مجلة فن | بعد عيني يا "سهيل".. عام على رحيل شيخ الموسيقى السورية وأبو "أمل" الدراما السورية "عرفة".. نفتقدك !


مجلة فن - كتب خالد سرحان : 

 إذا كانت النجمة أمل عرفة قد غنت يوماً «بعد عيني يا محسن»، فينبغي علينا أن نقول اليوم «بعد عيني يا سهيل»، لأن الموسيقى أصبحت يتيمة من بعده، والكمنجات غدت ثكلى حزينة، في ظل النشاز والأغاني الهابطة التي نعيش في كنفها، والتي تتكاثر بشكل مرعب ومخيف. وهل هنالك قيمة لأي حفلة موسيقية ليس موجود فيها حفيد زرياب ووريث أورنينا؟؟ 

 سوريا صدّرت للعالم قاطبة أول نوتة موسيقية في التاريخ، ولا بد أنها صدّرت أيضاً جوهرةً فريدةً، وواحداً من ألمع رجال الموسيقى والفن، بألحانه التي أغنت الذائقة الفنية، والتي استحق عليها لقب «الموسيقار»، الذي صار مدرسة لأهل الطرب في الماضي والحاضر والمستقبل. إنه سهيل محمد عرفة المولود في حي الشاغور في دمشق عام 1935م، لأسرة محافظة، كان شغوفاً بالموسيقى منذ طفولته، ويعتبر من مؤسسي وزارة الثقافة والمسرح والموسيقى في سوريا، ومن أوائل العاملين بالمجال الفني في العالم العربي.


بدأ عرفة حياته في العديد من المهن التي عمل بها على مضض، لينتهي به الحال في دكان لتصليح الراديو بحي «السنجقدار» في قلب دمشق، حيث بائعي المثلجات يتحلقون قرب دكانه، فيطربون مسامعه بأعذب الألحان والأغاني من الراديو، مما شكل مصدر إلهام لديه ودفعه لتحقيق أحلامه. وكان عبد الغني عطري رئيس تحرير مجلة «الدنيا» وعدنان قريش وأمين رزق وسامي مرادي ممن يمكن اعتبارهم الأباء الروحيين له، الذين ساعدوه على اجتياز محطته الأولى في درب النجومية، والتعرف على الفنانين والأدباء، حتى أصبح لاحقاً عراباً للأغنية السورية، ورقمًا صعبًا في ذاكرة الفن السوري.

  
انطلاقة سهيل عرفة كملحن محترف كانت عام 1958م عندما سجل أول ألحانه لأغنية حملت عنوان «يا بطل الأحرار» التي أداها «فهد بلان» إبان الجمهورية العربية المتحدة، والتي حققت نجاحاً كبيراً، مما دفع الفنان اللبناني حليم الرومي رئيس دائرة الموسيقى في الإذاعة اللبنانية لدعوته الى بيروت، وهناك تم تصنيفه كملحن درجة أولى، وقدم ألحاناً عديدة لكبار المطربين والمطربات، منهم صباح ووديع الصافي وشادية ونجاح سلام وغيرهم.‏ كما اشتُهر عبر مسيرته الفنيّة الطويلة، بتقديم حوالي 1500 لحن وأغنية يزيدون أو ينقصون، كان للأطفال نصيباً كبيراً منها، فكانت إيطاليا وأوروبا تغني عام 1998م خلف هالة الصباغ «غنوا معنا يا أطفال العالم»، والتي حازت على جائزة الميدالية الذهبية في مهرجان «النقود الذهبية». 



و«على البساطة» أستطاع عرفة أن يملك فؤاد الشحرورة فـ «أخذ قلبها سكارسة« وتمايلت طروب بـ«قدها المياس» كرمى لعيونه، قبل أن تغني دلوعة السينما «يا طيرة طيري يا حمامة» عند «بياع التفاح» في «بلدي الشام» حيث «من قاسيون أطل يا وطني» بالصوت الملائكي للنجمة أمل عرفة وهي تغني «صباح الخير يا وطناً». ولعل تعاون عرفة مع عيسى أيوب جعلهما كفرسي رهان، ومساهمين بشكل غير مباشر في نشأة منظمة طلائع البعث، وبدب الروح في معظم المهرجانات التي نالوا فيها العديد من الجوائز على الصعيد العربي والعالمي.

  
 أما على صعيد الدراما كان عرفة حاضراً في «سهرة مع أبو خليل القباني» و«المغامرة» لسعد الله ونوس و«الفهد» لنبيل المالح و«أيام شامية» لبسام الملا و«المصيدة» وغيرها العشرات من الأعمال الفنية الرائدة. إضافة لذلك فإن عرفة يحمل شهادة الدبلوم من المعهد الموسيقي في حلب، ويعمل عضواً في جمعية الأدباء والملحنين في باريس، وفي نقابة الفنانين السوريين منذ عام 1968، ورئيساً لفرقة الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون الموسيقية منذ عام 1974م، بقرار من القائد الخالد حافظ الأسد. وتقديراً لإبداعه ودوره على الساحة الفنية منحه الرئيس بشار الأسد أواخر عام 2007م وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة، ليضاف لمخزونه الكبير من الجوائز.


يذكر أن عرفة شبّه في حديث لصحيفة الغد الأردنية خلال مقابلة له عام 2009م الفن اليوم بالوجبات السريعة، ملقياً اللوم على «الكيبورد» ومحملاً إياه مسؤولية ضياع «هوية الموسيقى»، بحيث لم يعد هناك سوى نغمة واحدة الأمر الذي يفقدها أي «الموسيقا» الحس والروح حسب رأيه. وذكر في أيامه الأخيرة أن «الاغنية تحتاجُ سفيراً يعبر بها لبر الأمان، ويؤدي رسالته تجاهها على أكمل وجه، وهذا ما يفتقره الفن السوري اليوم". «تحية إلى الموسيقار السوري الراحل سهيل عرفة» كان أخر ما تكللت به مسيرته الفنية بعدما انتقل لجوار ربه في 25 أيار عام2017م، حيث دفن وسط حشد غفير من محبيه في مقبرة الدحداح في دمشق. إذ حضر عرفة الموسيقار على خشبة دار الأوبرا في دمشق بكل تفاصيله، ضمن احتفالية فنية برعاية وحضور وزير الثقافة محمد الأحمد وحضور ابنته النجمة أمل عرفة، بهدف تكريم القامات الفنية، والمساهمة في بناء المشهد الثقافي السوري. 
  

 عرفة كان جبلاً لا تهزه الرياح وذو شأن عظيم لدى محبيه كالنساك والمتعبدين على عرفة، وتلألأ في سماء الفن سهيلاً ساطعاً بقيثارته العذبة بعدما شكل البوصلة للشارع والجماهير العربية. فهل يعود العبق لياسمين الشاغور وأزقتها التي تعتصر بالألم، والسهيل راقد تحت التراب، وقد مرَ حولاً كاملاً وهو في حضرة الغياب ؟؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2016 مجلة فن | Faan Magazine | تصميم : عمر شهاب

صور المظاهر بواسطة Bim. يتم التشغيل بواسطة Blogger.