جديدنا

جلال نادر | قَهوَةُ الخَامِسةِ والعِشرينْ!


مجلة فن | كَتَبَ #جلال_نادر:

السّادسةُ صَباحاً، في الذّكرى الخامسةِ والعشرين لميلاده استَيقَظَ مُبَكِّراً لِيَجدَ نفسَهُ وحيداً في المَنزلْ.
استجمَع ما لديه من طاقة وخرجَ إلى الشُّرفةِ، هي شرفةٌ مُطلّةٌ على الجهة الجنوبيّة الشّرقية في الطابق الأخير من البناء وأمامها مساحةٌ واسعةٌ خالية من أيّ أبنيةٍ مرتفعة تعيق الرؤية.
طقسٌ أقرب ما يكون للخريفيّ وهو المفضّل لديه، نسماتٌ عليلة من الهواء تداعب كلّ ما يعترضها، وهدوءٌ يسودُ الأرجاء فغالبيّة سكّان الحيّ نيام.

كالمُعتاد، يُحبُّ أن يَبدأ يومهُ مع فُنجان قهوة "ساده" دافِئ، واضِعاً "سمّاعته" في أذنيه لينطَلقَ في رحلةٍ صباحيّةٍ نحوَ "الرّواق" تقودُها «جوليا بطرس» بصوتِها السّاحر، فهي وحدها من تملِك مفاتيح مزاجه الجوزائيّ المُتقلِّب!
يقرأ -من باب الفُضول- ما يقوله له برجُه في هذا اليوم: "تكون مصدر وحي للآخرين، يأخذون برأيك ويتوددون إليك!"، ليُطلق بعدها ضحكةً ساخرةً فهو غالباً سينسى ما قرأه بعد دقائق!

يُمعِن التّفكير والتّدقيق في العديد من التّفاصيل، تفاصيلٌ قد لا يراها أو يهتمُّ بها غيره لكنّها تُشكِّل فارِقاً بالنسبةِ له، فقد يراقبُ لساعاتٍ حركة أوراق وأغصان إحدى الأشجار وتمايلها مع النسمات الباردة، أو يتتبع حركة ظلٍ ما مع صعود الشمس في السّماء، وربّما يتخيلّ في ذهنه ما تُفكّر فيه تلك النملة التي مرت من قربه وهي تحمل طعامها!

محاطٌ بآلافِ التّناقضات ما بينَ أفراحِه وأحزانِه، أسرارِه ونقاشاتِه الّتي تدور في رأسه، ويُحاول الوقوفَ صامِداً أمام كُلِّ هذا! لكنّه تزامناً مع «جوليا» تغني «يوماً ما» يردد في نفسه "بُكرا بيخلص هالكابوس" راسماً ابتسامةً هادئةً مُثقلة بالتفاؤل، ربّما، فهوَ يَعي جيّداً كيف تكونُ قوَّته عندما يحتاج لها وهي التي أنقذتهُ عشرات المرّات في حياتِه!

«على ما يبدو» أن «جوليا» هي الإنسانة الوحيدةُ القادرة على استئصال كلِّ الضّجيج من رأسه، تصفية أفكاره، وتعديل مزاجِه بأي وقت كان ومهما كان ما يزعِجه دون أن يعلم «على شو»!

مع تساؤلها «بتعرِف شو الحِلو فيك» تعيدُه بصوتِها إلى صدفةٍ يُصنِّفها الأغرب والأجمل، صدفة «ما مرَق» شيءٌ يشبهها في حياته لكنّها غيّرت مفاهيمه وتفكيره كثيراً. ففي إحدى المرّات رغب بشيءٍ معين، شيءٍ ليس «كلمة عالورق» لكنّه لم يذهب لهُ مباشرةً وبالطريق المُختصر، بل فَضّل التروّي والسّير بهدوءٍ شديد فحصلَ «شي غريب» ووصل دون أي تخطيط مسبق إلى حيثُ -وما- أرادَ تماماً، لكن بطريقةٍ مختلفة استغرقت وقتها اللازم لكي يصل بكُلّ قوّته، و «يا قصص» تلكَ التي حَصلت!

أنهى قهوتَه ولا تزالُ «جوليا» تشحنُه بالطاقة الإيجابيّة، و «يا ما شالله» فإنّ مزاجهُ في "قمّة الرواق" وأصدقُ ما يوصفُ به أنه «البحر الهادي»!
يعودُ ليُفكّر بذكرى ميلاده، لقد مضى ربع قرنٍ على وجوده على هذا الكوكب، انتَظرَ هذا اليوم لأعوام وقد قرّرَ مُسبَقاً أنّه سيَجعله مميّزاً بكُلّ تفاصيله، «بِصراحة» في هذا اليوم تحديداً سيبالغُ في فرحِه ثأراً من الأيّام الّتي خذَلته..!

ومع الأجواء الاحتفالية لـ «جوليا» وجارها الذي «جوّز بنتو»، يقول في نفسه "بعمري ما رح اكبر عالجنان!" وينوي الاحتفال بعيده بطريقة فريدة تبقى ذكرى جميلة للربع قرن القادم -إن كتب له أن يعيشه-، فهو لن يُطفئ شموعه هذا العام على "قالب الكاتّو" بل سيطفئُها على صحن "الإندومي"، وجبته المفضّلة لكل الأوقات!

تُذكّره «جوليا» باقتراب موعد ذهابه للعمل قائلةً «أوعى تكون نسيت»، فيهيّئ نفسه "عالـ24" ويلتقطُ عدّة "سيلفيات" للانستغرام، ثم يغادِر تزامناً مع قولها «قالوا مشينا» ليبدأ يومه الأول بعد الخامسة والعشرين!
● ● ● ● ● ●
هامش: جَميعُنا فِي جزءٍ ما من أنفُسِنا، نَعيشُ وراءَ الزّمنْ. رُبَّما أنَّنا لا نَعِي عُمرَنا إلَّا في لَحظَاتٍ استِثنائيّة، وأنَّنا مُعظَم الوَقتِ أشخاصٌ بِلا أعْمارْ!
● ● ● ● ● ●
للآراء والملاحظات عبر موقع صراحة من خلال الضغط على الرابط: JalalNader93
● ● ● ● ● ●
لمتابعة المزيد عبر فيسبوك من خلال الضغط على الروابط التالية:
#مجلة_فن
#جلال_نادر
#للضرورة_المسائية
#للضرورة_الصباحية
#بوست_نادر_عالماشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2016 مجلة فن | Faan Magazine | تصميم : عمر شهاب

صور المظاهر بواسطة Bim. يتم التشغيل بواسطة Blogger.